دبلوماسية

الأحد ديسمبر 4, 2022 9:31 م
الأحد ديسمبر 4, 2022 9:31 م

حكايات الأماكن

احمد سليم

فى قريته بوسط الدلتا يجلس السبعينى هدوء القرية زقزقة العصافير هواء الحقول حتى الشمس تحنو عليه فيها فتختبىء وراء شجرة السيسبان  يطلق السبعينى العنان لذاكرته هنا كانت غرفة الفرن الفلاحى المحمى وعود الحديد والخطب المجهز كوقود طبيعى. من هذا الفرن اكل السبعينى اجمل الاكلات  وكم جلس ينتظر كوز ذرة مشوى وبطاطا ساخنة   رغيف عيش المجال بمقارنته حتى بالخبز الفرنسى. انواع خبز عديدة رقاق وعيش مصرى واخر تملؤه بالزبدة والسكر وتاكله ساخنا  جيل السبعينى وماقبله عاشوا اجمل الحكايات مع الفرن البلدى أمامه وهم جوعى ينتظرون ما يخرج منه وفوقه بعد فترة من انتهاء الخبيز وعلى حصيرة على الفرن فى الشتاء دفء طبيعى وطعام اى كان نوعه فهو رائع بعد تسويته بالفرن وحكايات وراديو ينقلك إلى عالم آخر مع عبد الباسط أو ام كلثوم وحتى هانى شاكر المطرب الشاب فى ذلك الوقت

الفرن البلدى والكانون عاشت الأجيال القديمة المحبة للطعام والذواقة له حكايات عديدة وعاشت المرأة فى ذلك الوقت أيضا حكايات جميلة كانت ساعات الخبيز هى ساعة اللمة للصديقات و القريبات وحكايات عن القريبات والجارات والنميمة وأمام الفرن البلدى انطلقت الزغاريد أثناء إعداد كحك العريس او العروسة والذى كانت الأمهات تتبارى فى صنعه وكميته والسمن والدقيق المصنوع منه وصفائح أو اسبتة التى يوضع بها وتذهب إلى بيت العريس والى بيوت الجيران لتعود غالبا مليئة بالنقوط

كانت قاعة الفرن القاعة الأشهر والاكثر جذبا للاطفال وكان الفرن البلدى سواء فى قاعته أو وسط أو بعيدا عن غرف النوم فى بيوت الأغنياء  كان الفرن مصدر سعادة للاكيلة

ذاكرة السبعينى تنطلق إلى شباك بيته القديم الزى شهد مولده ومنه شهد بيوت قريته التى كانت تضم فى الغالب زريبة المواشى وكان الفلاح زماااان يحرص على نظافتها يوميا ففى الوقت الذى كانت زوجته تكنس وسط الدار وحول الفرن وقاعات الولاد وتفرش حصيرا هنا او تلملم لحافا من هناك كان الزوج بفأسه ينظف حظيرة مواشيه ويضع لهم ترابا جافا تمهيدا لخروجه  معهم فى رحلة شبه يوميه إلى حقله

من شباك بيته القديم كان ينظر إلى المساحة أمام المنزل كانوا يطلقون عليها اسم الوسعاية ولأنه كان ينظر إليها من عل كانت تبدو أمامه كأنها استاد كرة كبير وكانت الدور فى القرية فى الأغلب من طابقين بالطوب الاخضر والسقف الخشب الطابق الاول كان يضم غرف نوم وفرن ووسط الدار  كان غالبا مايضم الكانون والزير   وفى الطابق الثانى الذى غالبا ماكان يخصص لعريس جديد كانت هناك غرفتان وبينها شبيه للصالة  وبعيد كانت المرأة الريفية تربى البط والوز والدجاج وكانت هذه المنطقة هى المخزن الرئيسى والاستراتيجى والطوارئ لربة المنزل فى مواجهة ضيف مهم نزل فجأة أو ولادة أو مجاملة أو حتى فك زنقة مادية ببيع طيور أو بيض  وكان سطح الدار يضم أيضا مخزن القمح الذى يمتلئ به الزالوع وهو النموذج الاول للصومعة الحديثة وكان مصنوعا من الطين فى حين يغطى السطح اعواد الذرة والقطن الجافة وحلقات من أقراص مصنوعة من روث البهائم كانت تستخدم كوقودذاكرة السبعينى تنطلق به من بيته الكبير القديم الى بيته الاحدث وسط حديقة صغيرة كانت جزءا من حديقة الجد الكبيرة ومابين الحديقتين تتنقل الذاكرة هناك كان البئر  وحوله كانت جلسة الجد وهنا تكعيبة العنب وتحتها كانت جلسة الاب صيفا  ومابين هنا وهناك تغيرت الأحوال مكان البئر منزل يرتفع طوابق ستة وذهبيت التكعيبة وانتهى زمن الغزلان وأشجار الفاكهة وحلت بيوت اسمنتية متلاصقة تملؤها بوتوجازات وثلاجات ومبردات ليختفى الفرن والكانون والقلة والزير ويصل الدليفرى إلى قريتى وتختفى قريتى ولا يتبقى سوى القليل من مذاق القرية القديم  يغمض السبعينى عينيه قابضا على صورة وذكريات قريته القديمة خوفا من رحيلها كما رحلت القرية الحقيقية لتسقط فى محاولة تقليد المدينة فلا عادت القرية الجميلة ولا أصبحت المدينة الرائعة

Tags

Share this post:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore