دبلوماسية

الثلاثاء نوفمبر 29, 2022 1:13 ص
الثلاثاء نوفمبر 29, 2022 1:13 ص

“كيف أدارت مصر ملفاتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة؟”

نرمين الحريري

عزيزي القارئ، لعلك تلاحظ في الآونة الأخيرة تطور مصر على مدار السنوات الأخيرة في إدارة علاقاتها الدولية و ملفاتها الخارجية؛ في هذا المقال دعني أصحبك في ملخص سريع عن علاقات مصر مع أهم شركائها و أشقائها من الدول الأخرى.

مصر و فرنسا:

تربط مصر علاقات تاريخية وثيقة مع فرنسا، و توطدت هذه العلاقات خاصًة منذ عام 2016، و ذلك لتقارب وجهات النظر بينهما في العديد من القضايا.

و تعد فرنسا من أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر، حيث أوشك حجم التجارة البينية بين البلدين على أن يصل إلى 2 مليار دولار خلال عام 2021، و سجلت صادرات مصر لفرنسا نحو 503 مليون دولار أي ارتفاع بنسبة 47% عن عام 2020، أما عن الواردات فسجلت مصر زيادة بنسبة 0.2% عن العام السابق.

تساهم فرنسا بنسبة كبيرة من الاستثمارات في مصر حيث وصلت إلى 5 مليار يورو، كما يوجد أكثر من 160 ألف فرع لشركات فرنسية في مصر تساهم في توظيف عدد كبير من العمالة، هذا بالإضافة للتعاون بين البلدين في مجالات الطاقة و الاتصالات و المواصلات و البنية التحتية.

أما عن التعاون العسكري بين البلدين فهو يمثل مؤخرًا نصيب الأسد، حيث تجرى العديد من المناورات و التدريبات العسكرية بين البلدين بالإضافة إلى عدد من الاتفاقيات الهامة؛ منها تلك التي أُبرِمت في عام 2015 و هي تخص توريد 24 طائرة مقاتلة من طراز رافال إلى مصر و فرقاطة متعددة المهام من طراز فريم، كما استلمت مصر منذ عام 2015 إلى عام 2017، 4 قطع بحرية فرقاطة و حاملتي مروحيات من طراز ميسترال و هم (أنور السادات و جمال عبد الناصر). و في العام الحالي، وقعت مصر مع فرنسا عقد توريد 30 طائرة من طراز رافال.

و تتشارك مصر و فرنسا اهتمامات مشتركة فيما يخص العديد من القضايا على الساحة الدولية، أهمها مكافحة الإرهاب و الهجرة الغير الشرعية، كما دعمت فرنسا بشكل كبير مواقف مصر المتخَذة في الملف الليبي و اللبناني.

مصر و أمريكا:

تعتبر أمريكا الشريك الاقتصادي الأكبر لمصر، حيث وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى ما يقرب 2 مليار دولار في الربع الأول من عام 2021 و يمثل ارتفاع بنسبة 27% عن نفس الفترة في العام السابق، كما ارتفعت صادرات مصر إلى أمريكا بنسبة 32% عن العام السابق بإجمالي 525 مليون دولار في الربع الأول من عام 2021، أما عن الواردات فارتفعت بنسبة 26% عن عام 2020.

و على الصعيد السياسي، رأت القيادة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب أن تقوم بإصلاح سياساتها التي كانت متبَعة تجاه مصر في عهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما، و على رأسها ما يخص القيود التي فرضها الأخير على المعونات العسكرية لمصر، حيث طالما دعم الرئيس ترامب قرارات و سياسات مصر فيما يخص مكافحتها للإرهاب الذي يرى الأمريكييون أنه بدأ يكشر عن أنيابه المتمثلة في أحداث الحادي عشر من سبتمبر الشهيرة.

و في هذا السياق، شارك البلدان في العديد من التدريبات العسكرية، منها التدريبات البحرية (تحية النسر) في عام 2016 مرورًا بمناورات النجم الساطع في عام 2017 و 2018؛ كما قامت أمريكا بتسليم مصر 10 مروحيات أباتشي في إشارة منها لدعم دور مصر سياسيًا و عسكريًا في المنطقة.

أما في عهد الرئيس الأمريكي بايدن، و على عكس توقعات الكثيرين باحتمالية تعارض التوجهات و الرؤى بين البلدين، إلا أن الأمر لم يكن بهذا السوء، حيث دعمت أمريكا مصر في العديد من المواقف و منها تدخّل مصر لحل الأزمة الليبية و أزمة قطاع غزة، كما تشاركتا الأهداف فيما يخص مكافحة الإرهاب، وجمعتهمها مناورة النجم الساطع متعدد الجنسيات في عام 2021؛ بالإضافة لاعتزام أمريكا للتوقيع على مذكرة تفاهم بين بنك الاستيراد و التصدير الأمريكي و وزارة المالية المصرية.

مصر و روسيا:

تربط مصر علاقة قوية مع روسيا منذ قديم الأزل، فهي تعتبر شريك اقتصادي و استراتيجي هام لمصر.

على الصعيد التجاري، وصل التبادل التجاري بين البلدين إلى ما يقرب من 3 مليار دولار خلال عام 2021 أي ارتفاع بنسبة 35% عن العام السابق؛ و يتعاون البلدان في مختلف المجالات مثل قطاع الطاقة بما يمثله التعاون الأبرز في محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء و التي تعتبر أكبر الشركات الحكومية الروسية المقاول الرئيسي المنفذ لها، وقطاع البنية التحتية و النقل و خاصًة السكك الحديدية، ولا نغفل الجانب الثقافي و أكبر نوافذه متمثلةً في المركز الثقافي الروسي.

أما فيما يخص الاستثمارات، فهناك أكثر من 400 شركة روسية في مصر تساهم في توظيف ما يقرب من 35 ألف يدٍ عاملة، بالإضافة لتوقيع اتفاق إنشاء منطقة صناعية روسية ببورسعيد من المتوقع أن تجذب حجم استثمارات هائل، و سيتواجد بها كبرى شركات التصنيع الروسية بنوعيه الثقيل و الخفيف.

و على الصعيد السياسي، يتفق البلدان بشأن عدد من القضايا منها دعم سوريا و الحفاظ على مقدراتها و شكل دولتها المؤسسي، كما تتميز العلاقة بين الرئيس بوتين و الرئيس عبد الفتاح السيسي بكثير من الثقة منذ أن كان وزيرًا للدفاع، حيث زار حينها روسيا لبحث سبل التعاون العسكري و إمداد الجيش المصري بمنظومات دفاعية منها طائرات (ميج 29) و صواريخ (كورنيت) المضادة للدبابات بالإضافة للطائرات المروحية.

أما بخصوص مجال السياحة، يشكل السائحون الروس ما يقرب من 30% من إجمالي السائحين بمصر و التي تعتبر من أهم وجهاتهم المفضلة و خصوصًا محافظتي الغردقة و شرم الشيخ، لذلك كان يتعين على القيادة المصرية اتخاذ كافة التدابير التي كان من شأنها تأمين المطارات و سلامتها و المداومة على التفتيش و الرقابة على المنشآت، و ذلك بعد أن تأثر الجانب السياحي بين البلدين جراء تحطم الطائرة الروسية فوق الأراضي المصرية عام 2015، مما أدى إلى إيقاف جميع الرحلات الروسية إلى مصر بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى التي تبنت نفس الموقف؛ علمًا بأنه تم استئناف الرحلات الروسية إلى مصر مرة أخرى خلال هذا العام لأول مرة منذ الحادث الأليم، و ذلك بعد التأكد من اتخاذ مصر لجميع التدابير الاحترازية التأمينية اللازمة.

مصر و الصين:

تعتبر الصين من أقوى الدول اقتصاديًا و تجمعها علاقات طيبة و قوية مع مصر حيث تعتبرها دولة محورية في القارة الأفريقية؛ ففي عام 2014 وقّع الجانبان اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة على الصعيد السياسي و الاقتصادي و العسكري و الثقافي.

و لقد تبنت الصين مبادرة “الحزام و الطريق” التي تهدف إلى توطيد علاقتها مع دول العالم المشاركة في هذه المبادرة ومنها مصر و ما لها من أهمية استراتيجية كبيرة حيث تحتضن المنطقة الصناعية الصينية بقناة السويس، القناة التي يمر من خلالها طريق الحرير ابتداءًا من الصين و مرورًا بالبحر المتوسط و منه إلى أوروبا؛ و تستهدف المنطقة الصناعية الصينية جذب استثمارات بما يقرب من 6 مليار دولار عن طريق مختلف الصناعات.

و في عام 2018، تحت مظلة منتدى التعاون الصيني الأفريقي، وقعت مصر مع شركات صينية عدد من المشروعات بما يسهم في ضخ استثمارات بنحو 18 مليار دولار.

أما في الفترة الأخيرة و على خلفية جائحة كورونا، برعت مصر في لعب دورها المعتاد في مساعدة شركائها، حيث أرسلت إلى الصين 3 شحنات محملة بالمستلزمات الطبية إيمانًا بدورها في دعم مختلف البلدان للمرور من الجائحة.

مصر و أشقاؤها من القارة الأفريقية

مصر و تنزانيا:

إيمانًا بدورها كـ “أم الدنيا” كما يلقبها القريب و البعيد، لم تتخل مصر عن أشقائها في القارة السمراء، و لعل أبرز مثال مؤخرًا هو تواجدها في قلب دولة تنزانيا بمشروع سد “يوليوس نيريري” بأيادٍ مصرية، بما يسهم في توليد الطاقة و استغلال تنزانيا لمواردها المائية.

كما تم توقيع عقد إنشاء مصنع للأسمدة في تنزانيا، و يبحث البلدان سبل التعاون الاقتصادي بينهما عن طريق إتاحة الفرصة للشركات و المستثمرين المصريين الراغبين في التواجد في السوق التنزاني كما يسعى البلدان لزيادة حجم التجارة البينية بينهما في الفترة القادمة.

مصر و النزاعات الإقليمية

مصر و ليبيا:

إيمانًا بدور مصر الكبير في المنطقة كفاعل أساسي في الشرق الأوسط، جاء إعلان القاهرة 2020 ليرسم خارطة حل النزاع الداخلي في الجمهورية الليبية، عن طريق وقف جميع أعمال العنف و سحب جميع القوات الأجنبية و المرتزقة من داخل الأراضي الليبية، و نزع السلاح و تسليمه للجيش الوطني الليبي و إجراء انتخابات وطنية حرة.

كما وقفت القيادة المصرية كشوكة في حلق كل من تسوّل له نفسه المساس بمقدرات الدولة الليبية أو المساس بالأمن المصري على حدٍ سواء، حيث اتخذت موقفًا صارمًا ضد اتفاق حكومة فايز السراج و تركيا الغير شرعي، بترسيم الحدود البحرية مما يمكّن تركيا بالتنقيب عن النفط في حدود مائية لا حق لها بالتواجد بها، بالإضافة لتحذير مصر الواضح و الصريح لجميع الأطراف، إذا سمحت حكومة السراج لتركيا بإرسال قواتها العسكرية إلى سرت و قاعدة الجفرة و اعتبرتهما القيادة المصرية بمثابة خط أحمر كبير لا يلوم من يتعداه إلى نفسه، حيث لا تفصل سرت عن الحدود المصرية سوى ألف كيلو متر، مما يعد مساس صريح بالأمن القومي المصري لن تتوانى مصر عن التحرك إذا ما تم المساس به بأي شكل.

مصر و فلسطين:

لطالما كانت مصر الداعم الأكبر للقضية الفلسطينية على مر العصور، حيث دائمًا ما تبذل قصارى جهدها في الوصول لحلول سياسية لتهدئة الأوضاع الداخلية.

و لعل الأزمة الأخيرة التي تعرض لها قطاع غزة من قصف شديد من قوات الاحتلال في شهر مايو 2021، تعتبر خير دليل على حكمة القيادة المصرية في التحرك و الوقوف بجانب الشعب الفلسطيني.

حيث توقف القصف بناءًا على المبادرة المصرية، كما قامت مصر بفتح معبر رفح و جهزت المستشفيات لاستقبال المصابين، كما أرسلت أكثر من 150 عربة إسعاف لقطاع غزة بالإضافة لقوافل و شاحنات محملة بالأدوية و الغذاء و الملابس للأشقاء الفلسطينيين.

و جاء القرار الأهم عندما أخذت مصر على عاتقها مسؤولية إعادة إعمار قطاع غزة جراء ما لحقه من خراب و دمار، حيث قامت بالتنسيق مع كبرى الشركات المصرية و إيكالها مهمة إعمار بنيتها التحتية.

جاء تحرك مصر المعهود لتعزيز مكانتها الدولية، حيث أشادات الدول الأخرى بدورها في حل النزاع داخل قطاع غزة، و قامت بتثمين دورها كعصب للدول العربية.كل هذا عزيزي القارئ جاء بجانب تحرك القيادة المصرية على الصعيد الداخلي من تطوير و تنمية، هذا التطوير لم يمنع الدولة من توطيد علاقاتها خارجيًا و تعزيز دورها على الساحة كفاعل هام في الشرق الأوسط، فإن نجاح أي دولة لا يعتمد فقط على حسن إدارتها للأمور الداخلية، و لكن يستلزم أيضًا حسن إدارتها لملفاتها الخارجية .. هذا ما نرى مصر عليه في الآونة الأخيرة .. قاطرة لا تتوقف.

Tags

Share this post:

Share on facebook
Share on twitter
Share on pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit, sed do eiusmod tempor incididunt ut labore et dolore